أخبار من ألمانيا جميع الاخبار كتاب مقالات مقالات مواعظ وحكم

ألمانيا ـ الكاتب والإعلامي بدر الدين شلال .. ومقال {صاحب العباءة} ..؟!!!!

مقال  

صاحب العباءة

 

كما نعلم أن الحكاية الشعبية ذات طابع فلكلوري ترتبط بالعادات والتقاليد وتتناقلها العامة من الناس جيلاً بعد جيل ، وهي وإن كانت تستند على قصص قد وقعت  بالفعل أو من نسج خيال متداوليها ، إلا أن رمزية هذه الحكايات في حقيقة الأمر ترصد جانباً مهماً من واقعنا وحياتنا اليومية ،كنتيجة طبيعية للعلاقات بين الناس وتكشف أوجه التشابه بين تلك الحكاية ومثيلاتها في الواقع بغض النظر عن زمان ومكان حدوثها .

وأذكر حكاية شعبية وهي تنطبق على بعض المواقف هنا وهناك ، وهي قصة الرجل صاحب العباءة الذي رافقه أحد معارفه يوماً قاصدين البلدة القريبة من قريتهم ، وكان الطقس يومها ربيعياً ، وكما هو معروف للكثيرين فان فصل الربيع يضل رغم جماليته يفاجئنا أحياناً بتقلباته وتصل تلك التقلبات إلى حد هطول أمطار غزيرة لوقت قصير وتسمى باللهجة العامية ( المزنة ) أو سحب المزن وفق المصلحات العلمية .. المهم في الأمر أن صاحب العباءة وبينما كان يسير مع رفيقه وإذ بمزنة مطر تفاجئهم ، فأعطى العباءة لرفيقه ليقي نفسه من المطر ولا تبتل ثيابه ، بينما تغطى هو بفروته البدوية وهي عبارة عن رداء عربي مصنوع من جلد الخروف الصغير يتم ارتدائه لمواجهة تقلبات الطقس ، أما العباءة فهي  كساء واسع مشقوق من الأمام يلبس فوق الثياب في مناسبات عدة ، وأكثر ما يلبسه الأجلاء من القوم كتعبير عنالوجاهة والعلو .

وبعد أن انتهت المزنة قال صاحب العباءة لرفيقه : أتعلم عندما قررت الذهاب إلى المدينة ترددت كثيراً في ارتداء الفروة والعباءة بنفس الوقت ولكن قراري الأخير بارتدائهما معاً كان الأمر خيراً عليك ، فلولا عبائتي لكنت في وضعٍ مزري لا تحسد عليه .

رد عليه رفيقه : بارك الله بك يا سيدي لعلها صدفة جيدة ساعدتني في تحمل الطقس المتقلب وحمتني من انهمار المطر ، فإني أشكرك كل الشكر .

عاد صاحب العباءة وقال : يا سبحان الله لتلك العباءة فلولاها لكنت الآن مبتلاً من رأسك إلى قدميك ، ولكنت في وضع سيء جداً يرثى له إلى درجة أنك لن تستطع أن تضع  عينيك بعيني أحد من أهل القرية .

الرفيق : مردداً عبارات الشكر والامتنان له ولعباءته ..؟!!

بعد قليل راح صاحب العباءة يتحدث عن جودة عباءته بقوله : لقد أثبت هذه العباءة جدارتها في حمايتك من المطر وقال والله لولاها لكنا في أسوء حال ولكن الحمد الله أنها كانت معي وأعرتك إياه لتتستر بها .

رد عليه رفيقه شاكراً ذلك الفعل الطيب …!!

ضل صاحب العباءة يردد فضل العباءة على رفيقة طوال الوقت وهو يقول : لولا العباءة .. ولولا العباءة ..!! حتى وصلا إلى بركة ماء كانت قد تشكلت من كثرة الأمطار ، فطلب الرفيق من صاحب العباءة أن يأخذها ، وما إن تخلص منها رمى نفسه في البركة وضل يتدحرج في مياهها  الآسنة حتى تلوث جسده وتوسخت ثيابه وأفسد نظافتها وغطاها بالأقذار ، ومن ثم صاح بصاحب العباءة لو لم تعطيني عباءتك هل كان حالي سيكون أسوأ مما أنا عليه الآن ، أرحل عني يا رجل فوالله أفقدتني عقلي من فعلك هذا ، وأكاد أكره نفسي منذ أن قبلت عباءتك لأستتر بها من المطر وليتني لم أفعل .

وإذا ما أسقطنا هذه القصة على واقعنا ، فربما كل واحد منا قد تعرض لحكاية مشابهة ، فنجد أحياناً ( س ) من الناس يقدم على خدمة أحدهم فيقيم الدنيا ولا يقعدها وهو يتحدث عن أفضال ما فعل ، حتى يصل بالأمر إلى درجة التسفيه فيجعل من فعله سفيها عن جهل رغم أهميته ، دون أن يدرك أن أفعال الخير من الأمور التي أمرنا الله بها بقدر ما نستطيع ، وجعلته الشرائع السماوية من مكارم الأخلاق حيث تعزز مشاعر الإنسانية بأبهى صورها .

وإذا كان من الطبيعي أن نشكر ونثمن كل فعل جيد يؤثر في العلاقة بين الناس من مبدأ من ( لا يشكُر لا يُشكر ) ولكن ردة الفعل يجب أن تكون في نصابها الصحيح والمنطقي ، لا أن تبتعد عن معناها الحقيقي ، فكما يقول المثل الشعبي ( كل شيء يزيد عن حده ينقلب ضده ) .

أن معنى فعل الخير أشمل وأوسع من أن نختزله بتقديم المساعدة للمحتاجين فحسب بل يشتمل على قيم أخرى منها بر الوالدين وإكرام الضيف وصيانة حقوق الناس وغيرها من القيم النبيلة ، ولأنه يرتبط بالقيم الأخلاقية والاجتماعية والثقافية والدينية قبل كل شيء ، فإن فاعل الخير لا بد من أن يتميز بخصال حميدة ومتأصلة في الجذور ، وهنا أقصد أهل بلداننا الطيبين الذين تشم منهم رائحة ريفنا الجميل المجبول بالنخوة والشهامة والمروءة .

شارك الخبر