أخبار من ألمانيا تقارير - تحقيقات - قضايا جميع الاخبار كتاب مقالات مقالات

ألمانيا ـ الكاتب والإعلامي بدر الدين شلال .. ومقال أرواح لاهثة …؟

مقال

أرواح لاهثة …؟

هي ذاتها تلك القهوة التي كنت أشربها على شرفتي بمدينتي الجميلة الحسكة وأنا أستمع إلى صوت فيروز الشجي وزقزقات العصافير الصباحية ولكن ما تبدل في طقوسها هي أمنياتي التي باتت تائهة بين جدران الغربة ومحطات السفر ، لم يعد لتلك الذكريات الفسحة التي كانت تحلق بها أيام مضت وخطت .. أرتشف من قهوتي لحظة زمن لأقهر بها حاجز الصمت وحاجز الوقت ، وحاجز اليأس .. أحاول من خلال طقوسها ورموزها التراثية أن أقرأ على جدران فنجاني نكهة الوطن وكل الذكريات الجميلة التي تركتها من خلفي وأنا أسافر إلى المجهول .. أحتسيها في كل مرة لأستعيد بوصلتي ، وأحاول من جديد أن أميز بين الشرق والغرب ، وبين الشمال والجنوب ، لعلي أعيد ترتيب اتجاهاتي المبعثرة ، فأوجه أشرعتي مع التيار لا ضده ، وأتفقد مجاديفي قبل أن أبحر ، وأتعلم أن البحر لا تمثله الأمواج الهادئة ، وأن الوجه الآخر للبحر هو جنونه في عرضه وعمقه لا اتزانه على الشطآن .
ولأن في الحنين كما يقول جبران خليل جبران : / لا فرق بين يوم أو عام أو عقد أو عمر ، فحجم الاشتياق يفوق فكرة الزمن ، وأن ثمة أشياء لا تخضع للتجربة ، وحين تخضع يكون ثمن الدرس باهظاً جداً ، فلا تفقدهم كي تعرف قيمتهم ، لكن أعرف قيمتهم كي لا تفقدهم / ، فإن الأشياء التي نحبها تدفعنا نحوها دائماً كالماء والهواء ، فنرمم معها أشياء كثيرة ونعيد صياغتها من جديد كي لا تغادرنا أبداً .
لقد أخذت منا الغربة كل شيء ، أخذت منا عنفواننا ، وجيلنا ، وأهلنا وأصحابنا .. بيوتنا التي تكتنز ذكرياتنا ، شجيرات الريحان التي كانت جداتنا تحتفظ بها على عتبات النوافذ فأبقاها الزمن يابسة بلا روح تنظر عودتنا كي نسقيها من جديد .. أخذت كل شيء فيه عبق الماضي الجميل ، لكنها أبقت في أعماقنا جذور الحنين للتراث وللبيوت الطينية ومجالس الرجال والقهوة العربية ، وكل حقول القمح التي تزينها السنابل الصفراء ، وكل الخيول العربية الأصيلة وكل عاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا وعلومنا وآدابنا وأمثالنا الشعبية وأنغامنا الجميلة وقصائدنا وأعيادنا وهويتنا الوطنية .. أريد أن أكون في أي بلد يوفر لي كل تلك الطقوس لأرتوي ولن أرتوي .
لم يعد يهمني أن أحتفظ بطفولتي في حقيبة سفر ، ولا أن أدلل مواجعي وأحزاني على عتبات الزمن ، ولا أريد أن استمتع بألوان القوس والقزح ، ولا أن أختزل ذكرياتي في رجفة قلم ، إن ما يهمني هو أقتنص لنفسي فسحة من الزمن أسافر بها إلى روحي كي أتفقد أزقتها القديمة ، أخاطب أنينها ، أجالس أرصفتها ، أتأمل الكون من أطلالها ، أقتفي آثارها ، فيمضي الوقت وينتهي فنجان القهوة ، ولكن ما يتبقى هي أرواحنا التي تلتقي على المدى .

شارك الخبر